يحظى قطاع التعدين في السعودية باهتمام خاص، في ظل خطة المملكة الطموحة نحو التخلص من سيطرة النفط على اقتصادها؛ نظرًا إلى التوجه العالمي نحو الابتعاد عن الوقود الأحفوري.

وتعيد المملكة التفكير في نموذجها الاقتصادي الذي يعتمد إلى حد كبير على قطاع الهيدروكربونات؛ إذ يمثل النفط وحده 60% من إيرادات ميزانية المملكة وأكثر من 75% من صادراتها.

وخلال النسخة الأخيرة من منتدى معادن المستقبل، الذي عُقِدَ في الرياض خلال يناير/كانون الثاني 2024، أظهرت السعودية طموحاتها بوضوح؛ إذ تمتلك الرؤية والموارد المعدنية وسوقًا كبيرة والعلاقات الإقليمية والجغرافيا الكافية لتصبح مركزًا لسلسلة القيمة المعدنية.

وسلّط تقرير حديث -حصلت منصة الطاقة المتخصصة على نسخة منه- الضوء على مكانة قطاع التعدين في السعودية في قلب إستراتيجية ما بعد النفط ضمن “رؤية السعودية 2030″، التي تهدف إلى تنويع اقتصاد البلاد.

إمكانات قطاع التعدين في السعودية

تعتزم السعودية تنفيذ إستراتيجية متعددة الأوجه لتصبح لاعبًا رئيسًا في الأسواق؛ إذ تدرك أن هدف التحول البيئي العالمي يحفز الطاقة وخاصةً الاحتياجات المعدنية للتعامل مع نشر التقنيات الرقمية والمنخفضة الكربون (البطاريات، وطاقة الرياح، والطاقة الشمسية، والهيدروجين، وما إلى ذلك).

فمن ناحية، تقدم الرياض سياسة مستدامة لصالح تطوير صناعة التعدين الوطنية؛ ومن ناحية أخرى، تسعى إلى تحفيز الاستثمار الأجنبي في أراضيها.

وأوضح مدير الأبحاث في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية الفرنسي (IRIS) إيمانويل هاش، أن السعودية تطمح إلى أن تصبح المركز الإقليمي لتبادل الطاقة والمعادن بين الدول الغنية بالخامات والمعادن في آسيا الوسطى وأفريقيا.

وبعد أن كانت المُصدّر الرئيس للنفط العالمي خلال القرن الـ20، تحلم المملكة العربية السعودية بأن تصبح رائدة إقليميًا -أو حتى عالميًا- في مجال المعادن، بحسب “هاش” الذي أعدّ التقرير.

وتكمن الفكرة في استغلال الإمكانات المعدنية الموجودة في باطن أرضها وتطوير قاعدة صناعية فعّالة في قطاع التعدين والمعادن.

في الواقع، أعادت هيئة المساحة الجيولوجية السعودية (SGS) تقييم احتياطيات المعادن في المملكة مؤخرًا؛ إذ تضاعفت منذ عام 2016 إلى نحو 2.5 تريليون دولار؛ في حين ما زال أكثر من نصف الأراضي قيد الاستكشاف.

وأشار التقرير إلى أن باطن الأرض السعودية غني -بشكل خاص- بالذهب والنحاس والزنك والرصاص والنيكل، وغتيّ -أيضًا- بالفوسفات والمعادن الأرضية النادرة والبوكسيت والليثيوم والمنغنيز؛ أي جميع الموارد الأساسية للتحول منخفض الكربون.

وهذا يُمكن أن يضع المملكة في وضع مثالي لتصبح منتجًا للمعادن قادرًا على إمداد قطاعها الصناعي، ومن ثم تصدير بعضها إلى الأسواق العالمية.

أحد مواقع التعدين – الصورة من صحيفة “ليزيكو” الفرنسية

مبادرات لدعم التعدين في السعودية

يخضع مشروع التعدين الوطني التابع للحكومة السعودية، لإشراف وزارة الصناعة والثروة المعدنية وهيئة المساحة الجيولوجية، المسؤولة عن توفير المعلومات الجيولوجية عن تربة المنطقة وباطنها.

وفي عام 2023، أطلقت الرياض عدة مبادرات تهدف إلى جذب المستثمرين الأجانب؛ بما في ذلك برنامج حوافز للتنقيب عن المعادن بقيمة 182 مليون دولار.

كما طورت المملكة إطارها التنظيمي لتسهيل الاستثمارات الخارجية ومنح تراخيص التعدين، ولا سيما من خلال إطلاق 33 رخصة استكشاف جديدة.

وتهدف شركة التعدين المملوكة للدولة “معادن”، التي تأسست عام 1997، إلى تسهيل تنمية الموارد المعدنية في المملكة؛ كما أنها أصبحت لاعبًا رئيسًا في الإستراتيجية السعودية.

فهي واحدة من أكثر الشركات ديناميكيةً وجاذبيةً في العالم، مع مبيعات تتجاوز 10 مليارات دولار، ونمو سنوي بنسبة 25% على مدى السنوات الثلاث الماضية وقيمة سوقية تبلغ نحو 50 مليار دولار، بحسب التقرير الذي اطّلعت منصة الطاقة المتخصصة على تفاصيله، نقلًا عن منصة “بوليتكنيك إنسايتس” (Polytechnique Insights) الناطقة باللغة الفرنسية.

في عام 2023، دخلت “معادن” في شراكة مع الصندوق السيادي السعودي لإنشاء شركة منارة للمعادن؛ للاستجابة لنمو قطاع التعدين في البلاد؛ وأُنشئ هذا المشروع المشترك السعودي على الفور، واستحوذ على 10% من مجموعة التعدين البرازيلية فالي (Vale Base Metals).

وتهدف هذه الشراكة إلى دعم نمو سوق المعادن الضرورية لانتقال الطاقة؛ إذ تعد فالي شركة مهمة لإنتاج النحاس والنيكل.

وفي الوقت نفسه، ترغب المملكة العربية السعودية في الترحيب بالصناعات البيئية وصناعات انتقال الطاقة على أراضيها.

وعلى وجه الخصوص، في يونيو/حزيران 2023، وقّعت عقدًا بقيمة 5.6 مليار دولار مع شركة تصنيع السيارات الكهربائية الصينية هيومن هورايزون (Human Horizon).

ومن ثم، ترغب المملكة في وضع نفسها بمختلف قطاعات سلسلة القيمة: من التعدين إلى إنتاج المنتجات ذات القيمة المضافة العالية والكثافة التكنولوجية العالية.

وتهدف الشراكة إلى إنتاج نحو 125 ألف سيارة كهربائية بحلول عام 2026 بشكل مستقل، أي ببطاريات مصنعة محليًا ومصنوعة من معادن سعودية.

ومن ثم، يبدو أن تطوير الإمكانات المعدنية يُشكِّل ركيزة أساسية لإستراتيجية تنويع الاقتصاد السعودي، بحسب كاتب التقرير إيمانويل هاش، الذي تساءل: هل نستنتج أن المملكة ستنتقل من اقتصاد النفط إلى اقتصاد المواد الخام؟

وتابع: “الإجابة هي لا؛ تعتزم المملكة العربية السعودية الجمع بين إمكاناتها المعدنية وطموحاتها الاقتصادية من خلال أن تصبح مركزًا عالميًا للطاقة والمعادن”.

قطاع التعدين في السعودية

محور الطاقة والمعادن

في سياقٍ متصل، أكد التقرير -الذي اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة- أن السعودية تسعى إلى احتلال مكان في سوق المواد الأولية اللازمة لتحول الطاقة، من خلال مشروعاتها الاستثمارية الوطنية والأجنبية.

ويُمكن تسهيل هذه المهمة من خلال موقع المملكة الجغرافي المركزي بين منتجي المعادن الرئيسين في أفريقيا والدول الآسيوية؛ لتصبح مركزًا تجاريًا رئيسًا.

وتُعد الإستراتيجية السعودية متعددة الأشكال؛ إذ إنها تهدف إلى إنشاء منصة تداول للمواد المعدنية وبورصة إقليمية للمعادن (بورصة السعودية للمعادن والتعدين) قادرة على المنافسة، بورصة لندن للمعادن أو بورصة شنغهاي للمعادن؛ بالإضافة إلى تعدد الاتفاقيات التجارية مع مصر وتركيا وموريتانيا لتطوير مناجم الحديد.

ومن خلال تنظيم منتدى معادن المستقبل في قطاع التعدين والمعادن الذي يفتقر إلى الإدارة الدولية بشكل كبير، فإنها ترغب -أيضًا- في إرساء أسس التعاون الإقليمي، أو حتى الدولي، بشأن هذه القضايا.

وتهدف كل هذه المبادرات إلى تعزيز الربط الاقتصادي والمالي والمؤسسي والدبلوماسي للمملكة العربية السعودية، ووضع الرياض بوصفها نقطة ربط مستقبلية في سوق المعادن العالمية.

وشدد التقرير على أن موقع المملكة بوصفها مركزًا تجاريًا سيسمح لها بترسيخ نفسها عنصرًا مركزيًا في “المنطقة الفائقة” الجديدة، وهو المفهوم الذي قدّمته العاصمة السعودية في يناير/كانون الثاني 2024 خلال منتدى معادن المستقبل.

ووفق المعلومات، التي اطّلعت عليها منصة الطاقة، تمتد هذه “المنطقة المعدنية الفائقة” من أفريقيا إلى آسيا الوسطى عبر الشرق الأوسط؛ وهي تغطي 79 دولة، ويبلغ عدد سكانها 3.5 مليار نسمة، أي 48% من السكان و12% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وعلى الرغم من وفرة الموارد المعدنية، تعاني هذه البلدان الافتقارَ إلى البنية التحتية والتمويل المنظم والعمالة المؤهلة؛ وتهدف رغبة المملكة العربية السعودية في تحقيق التكامل الإقليمي إلى سد هذه الفجوات.

إلا أن كاتب التقرير إيمانويل هاش، أشار إلى أنه ليس من المؤكد أن شركاء المملكة العربية السعودية الإقليميين سيسمحون لها بأخذ زمام المبادرة بهذه السهولة، سواء في مجال التعدين أو في تقنيات انتقال الطاقة.

وتُطوِّر إيران والجزائر مشروعات التوسع التعديني الخاصة بهما، في حين أعدت مصر وتركيا نفسهما لإنتاج السيارات الكهربائية، ودخلتا في منافسة مباشرة مع الخطط السعودية.

ومن ثم، حتى لو تمكّنت السعودية من إقامة شراكات إقليمية واعدة؛ فإن المنافسة الإقليمية تظل شديدة؛ حيث تأمل كل دولة في العثور على مكان لها في سلسلة التوريد العالمية.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.

رابط المصدر

شاركها.