اقرأ في هذا المقال

  • • إيران تُعدّ سوقًا جذابة لشركة غازبروم وسط انخفاض المبيعات الأوروبية بسبب التوترات الجيوسياسية
  • • إيران توفر لشركة غازبروم فرصة كبيرة لتوسيع حضورها في السوق العالمية للغاز الطبيعي
  • • إيران تعالج النقص المحلي في الغاز عبر استكشاف الواردات المحتملة من روسيا
  • • استيراد الغاز الروسي يُعدّ أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة لإيران للتخفيف من نقص الغاز المحلي

في خطوة تهدف إلى تنظيم إمدادات خط أنابيب الغاز الروسي إلى إيران، وقّعت شركة الطاقة العملاقة غازبروم مذكرة إستراتيجية مع شركة الغاز الوطنية الإيرانية.

وقد أُضفِيَ الطابع الرسمي على هذه الاتفاقية خلال زيارة الرئيس التنفيذي لشركة غازبروم Gazprom، أليكسي ميللر، إلى طهران، بحضور الرئيس المؤقت، محمد مخبر.

وبموجب المذكرة، ستشتري إيران الغاز الروسي، وتعيد بيعه إلى الدول المجاورة مثل العراق وتركيا وباكستان بسعر أعلى.

بدورهم، شدد المسؤولون في طهران على الأهمية الإستراتيجية لهذه الصفقة، وعَدّوها بداية لتعزيز التعاون في قطاع الغاز بين بلادهم وروسيا.

الغاز الروسي إلى إيران

منذ مطلع العقد الأول من القرن الـ21، شاركت شركات النفط الروسية بنشاط في قطاع الطاقة الإيراني، مع التركيز في البداية على اتفاقيات التنقيب والتطوير.

وشاركت شركات مثل غازبرومنفط، وزاروبيجنفط، وتاتنفط، ولوك أويل، في مشروعات مختلفة عبر حقول النفط في طهران.

وبعد توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) في عام 2015، كثّفت روسيا مشاركتها في طهران، وملء الفجوات التي خلّفتها مغادرة الشركات الأميركية والأوروبية.

جانب من توقيع مذكرة تفاهم بشأن صادرات الغاز الروسية إلى طهران – الصورة من وكالة شانا

وتشمل التطورات المهمة مذكرة تفاهم شاملة في عام 2017 بين السلطات في طهران وموسكو، تغطي التنقيب ونقل الغاز وتبادل التكنولوجيا.

وفي يوليو/تموز 2022، التزمت شركة غازبروم بمذكرة تفاهم بقيمة 40 مليار دولار مع شركة النفط الوطنية الإيرانية، ما يمثّل اتفاقًا قياسيًا في تاريخ النفط والغاز الإيراني.

من ناحيته، أكد نائب رئيس الوزراء الروسي في مارس/آذار 2024 الاستثمارات المستمرة في حقول النفط الإيرانية، مع توقيع اتفاقيات تعاون إضافية في أبريل/نيسان 2024 تشمل قطاعات متعددة، بما في ذلك الطاقة.

وعلى الرغم من الاتفاقيات العديدة، فإن التحديات مثل العقوبات الدولية والقيود المالية عاقت التقدم.

رغم ذلك، تظل روسيا ملتزمة بزيادة استثماراتها في موارد الطاقة الإيرانية الضخمة.

السياق والتداعيات

تمتلك إيران ثاني أكبر احتياطيات من الغاز في العالم، ما يجعلها سوقًا جذابة لشركة غازبروم وسط انخفاض المبيعات الأوروبية، بسبب التوترات الجيوسياسية.

في المقابل، قيّدت العقوبات الأميركية قدرة طهران على الاستغلال الكامل لاحتياطياتها من الغاز والوصول إلى التكنولوجيات الضرورية.

وتشير المذكرة الأخيرة مع شركة غازبروم إلى نية روسيا الإستراتيجية لتعزيز علاقات الطاقة مع طهران، وربما استعمال إيران طريق عبور لإمدادات الغاز الإقليمية.

بالنسبة لإيران، توفر هذه الاتفاقية سبيلًا للتخفيف من التحديات التي تفرضها العقوبات، وتوليد الإيرادات من خلال إعادة بيع الغاز إلى الأسواق المجاورة.

وتؤكد المذكرة عمق التعاون في مجال الطاقة بين موسكو وطهران وسط مشاهد جيوسياسية واقتصادية معقدة، ما يعكس جهود البلدين للتغلب على هذه التحديات، مع الاستفادة من نقاط القوة لدى كل منها في قطاع الطاقة.

الفوائد الإستراتيجية لتوقيع المذكرة

الوصول إلى احتياطيات الغاز الإيرانية الضخمة: توفر طهران، التي تمتلك ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم، لشركة غازبروم فرصة كبيرة لتوسيع حضورها في السوق العالمية للغاز الطبيعي، ما يضمن إيرادات مستقرة وسط تقلبات السوق.

تنويع أسواق التصدير: في مواجهة التوترات الجيوسياسية مع أوروبا، بسبب الحرب في أوكرانيا، تسعى شركة غازبروم إلى تنويع وجهات صادراتها، من جهة ثانية، تسمح الشراكة مع إيران لشركة غازبروم باستكشاف طرق وأسواق جديدة، خصوصًا في آسيا، بما يتماشى مع هدفها المتمثل في التوسع في المناطق ذات الطلب المرتفع، مثل الصين.

إمكان المشروعات التعاونية: تتيح المذكرة لشركة غازبروم وشركة الغاز الوطنية الإيرانية (NIGC) متابعة مشروعات مشتركة في تطوير حقول الغاز ومشروعات الغاز المسال وبناء خطوط الأنابيب، ومن الممكن أن يؤدي هذا التعاون إلى تأمين عقود قيمة وتعزيز القدرة التنافسية لشركة غازبروم.

محطة لتوليد الكهرباء من الغاز المسال في طهران
محطة لتوليد الكهرباء من الغاز المسال في طهران – الصورة من وكالة إيرنا

تعزيز علاقات الطاقة بين روسيا وإيران: من خلال تعميق التعاون في مجال الطاقة مع طهران، الحليف الإقليمي الرئيس، تهدف روسيا إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية ومواجهة العقوبات الغربية، وتقوية العلاقات السياسية والدبلوماسية من أجل الاستقرار المتبادل وأمن الطاقة.

الاستفادة من إمكانات العبور: يوفر موقع إيران الإستراتيجي لشركة غازبروم طرق عبور مهمة لتوصيل الغاز إلى الأسواق المجاورة مثل العراق وتركيا وباكستان، ويعزز هذا الاستعمال الإستراتيجي للبُنية التحتية الإيرانية مرونة شركة غازبروم وقدرتها على تلبية متطلبات الطاقة الإقليمية.

وتوفر مذكرة التفاهم بين غازبروم وشركة الغاز الوطنية فوائد إستراتيجية، بما في ذلك الوصول إلى احتياطيات هائلة، وتنويع السوق، وفرص التعاون، وعلاقات ثنائية أقوى، وطرق عبور فعالة، ما يضع شركة غازبروم في موقع متميز في مشهد الطاقة العالمي المتغير.

أبرز التحديات في مواجهة المشروع

على الرغم من هذه المزايا، كانت قدرة إيران محدودة في الاستغلال الكامل لمواردها الواسعة من الغاز والوصول إلى التقنيات الضرورية بسبب العقوبات الأميركية الصارمة.

وقد أدت هذه العقوبات إلى تقليص الاستثمارات الدولية والتقدم التكنولوجي الضروري لطهران، لتطوير حقول الغاز لديها إلى أقصى قدرتها.

ونتيجة لذلك، تواجه طهران تحديات في تعزيز الإنتاج وتحديث البنية التحتية للطاقة، التي تُعدّ ضرورية لتلبية الطلب المحلي، وزيادة إمكانات التصدير.

ومن ناحية أخرى، شهدت شركة غازبروم انتكاسات مالية كبيرة في الأعوام الأخيرة، بما في ذلك أول عجز سنوي منذ عام 1999.

خطوط أنابيب الغاز في محطة الضغط أتامانسكايا التابعة لمشروع غازبروم بمنطقة آمور في روسيا
خطوط أنابيب الغاز في محطة الضغط أتامانسكايا التابعة لمشروع غازبروم بمنطقة آمور في روسيا – الصورة من رويترز

وتنبع هذه الانتكاسات من تقلّب أسعار الطاقة العالمية، والتوترات الجيوسياسية، التي أثّرت في القدرة على الوصول إلى الأسواق، والقضايا التشغيلية الداخلية.

وتؤكد هذه العوامل أهمية الشراكات الإستراتيجية، مثل المذكرة المُبرمة مع شركة الغاز الوطنية، في تنويع مصادر الإيرادات، وتخفيف المخاطر المالية.

إمكان نجاح الشراكة

يعتمد نجاح الشراكة بين “غازبروم” و”شركة الغاز الوطنية الإيرانية ” على قدرة “غازبروم” في التعامل مع هذه التحديات المعقّدة.

ويشمل ذلك تحسين الكفاءات التشغيلية لخفض التكاليف، والاستفادة من خبرتها التكنولوجية لتعزيز جدوى المشروع، على الرغم من العقوبات، واستكشاف إستراتيجيات تمويل مبتكرة لدعم المبادرات التعاونية.

الإضافة إلى ذلك، فإن الجهود الدبلوماسية لإدارة التوترات الجيوسياسية، والدعوة إلى تخفيف العقوبات، ستكون حاسمة في إطلاق الإمكانات الاقتصادية والإستراتيجية الكاملة للشراكة لكل من غازبروم وطهران.

وتُعدّ معالجة الضغوط المالية لدى شركة غازبروم خطوة أساسية لتحقيق إمكاناتها الكاملة وتحقيق النمو المستدام في قطاع الطاقة العالمي.

هل تصبح إيران مركزًا إقليميًا جديدًا لتجارة الغاز؟

بعد توقيع مذكرة التفاهم الحالية مع روسيا، تستعد إيران لأن تصبح مركز الغاز الإقليمي، وفقًا لممثل عن محافظة خراسان الجنوبية (نهبندان وسربيشة) في مجلس الشورى الإسلامي، مصطفى نخعي.

وأرجع عضو مجلس الشورى الفضل في ذلك إلى دبلوماسية الطاقة الناجحة للحكومة الـ13 في تحقيق نتائج المذكرة.

وأعرب مصطفى نخعي، في مقابلة مع وكالة شانا الإيرانية، عن ارتياحه للسعي الحثيث لوزارة النفط لدبلوماسية الطاقة، متوقعًا أن يحول الاتفاق طهران إلى مركز أساس للغاز الإقليمي.

وأشاد بجهود الحكومة في تفعيل دبلوماسية الطاقة، مشيرًا إلى تحقيق خطوات كبيرة في التعاون مع روسيا، بما في ذلك جذب الاستثمارات الأجنبية في قطاعي النفط والغاز.

من جهته، أكد وزير النفط الإيراني، جواد أوجي، في وقت لاحق توقيع المذكرة، مشيرًا إلى أشهر المفاوضات مع شركة غازبروم الروسية، التي بلغت ذروتها في حفل التوقيع الذي حضره مسؤولون رفيعو المستوى من كلا البلدين.

طهران تستكشف الواردات المحتملة من موسكو

تعالج إيران النقص المحلي في الغاز من خلال استكشاف الواردات المحتملة من روسيا، التي تميزت بتوقيع مذكرة تفاهم بقيمة 40 مليار دولار مع شركة غازبروم في يوليو/تموز 2022.

وتشمل هذه الاتفاقية المهمة خططًا للتنقيب والاستخراج ونقل الغاز وتبادل المنتجات البتروكيماوية والتعاون العسكري المحتمل.

وتوسيعًا لهذه المبادرة، وقّعت شركة غازبروم وشركة الغاز الوطنية مذكرة إستراتيجية في يونيو/حزيران 2024 لتسهيل توصيل خطوط الأنابيب المباشرة للغاز الطبيعي الروسي إلى طهران.

ويمكّن هذا الإطار طهران من شراء الغاز من روسيا، ومن ثم بيعه بعلاوة إلى الدول المجاورة، مثل العراق وتركيا وباكستان.

لتسهيل هذا الترتيبات، تخطط الدولة للاستفادة من البنية التحتية القائمة، مثل خط أنابيب الغاز بين روسيا وتركمانستان، الذي يمكن أن ينقل ما يصل إلى 12 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا إلى طهران عبر الحدود مع تركمانستان.

الغاز الروسي

بالإضافة إلى ذلك، يمكن تفعيل خط أنابيب قديم بسعة 8 مليارات متر مكعب سنويًا من تركمانستان إلى إيران، من خلال مبادلة الغاز التي تشملهما مع روسيا.

ويُعدّ استيراد الغاز الروسي أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة لطهران للتخفيف من نقص الغاز المحلي، خصوصًا خلال ذروة الطلب في فصل الشتاء.

على صعيد آخر، تساعد هذه المبادرة إيران على تلبية احتياجاتها المحلية من الطاقة، وتفي بالتزاماتها بتصدير الغاز إلى الشركاء الإقليميين.

رغم ذلك، ما تزال هناك تحديات كبيرة، وكثيرًا ما توقفت اتفاقيات الطاقة السابقة بين إيران وروسيا دون أن تتحول إلى عقود عملية.

وقد تؤدي التحديات المالية التي تواجهها شركة غازبروم إلى التنفيذ الحذِر لمذكرة التفاهم الطموحة مع إيران، التي تبلغ قيمتها 40 مليار دولار.

وما تزال التعقيدات الجيوسياسية والعقوبات الدولية المستمرة تشكّل عقبات هائلة أمام تعاون إيران مع روسيا في مجال الطاقة.

خلاصة القول، يُعدّ تحرك إيران لاستيراد الغاز من روسيا جهدًا إستراتيجيًا لتلبية احتياجاتها المحلية من الطاقة والوفاء بالتزاماتها الدولية.

وعلى الرغم من أن المسؤولين الإيرانيين ينظرون إلى هذه الصفقة على أنها تجعل إيران “مركزًا إقليميًا للغاز”، وإعادة توزيع الغاز إلى الدول المجاورة، فإن نجاحها يعتمد على قدرة إيران على التغلب على العقبات السياسية والاقتصادية واللوجستية التي عاقت اتفاقيات الطاقة السابقة بين البلدين.

الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب “دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001”.

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.

رابط المصدر

شاركها.