بات تسرب الهيدروجين كابوسًا يؤرق عمليات تحول الطاقة، خاصة أنه يعدّ وقودًا مستقبليًا يمكنه أن يحلّ أزمة المناخ؛ إذ يتوافر بشكل طبيعي في الغلاف الجوي، وهو ليس من غازات الدفيئة.

ويُعدّ الهيدروجين نتاج تحلُّل بعض المركبات الكيميائية في الغلاف الجوي، ويُطلق -أيضًا- خلال احتراق الوقود الأحفوري أو حرائق الغابات أو عن طريق العمليات الجيولوجية.

ويؤدي احتراق الهيدروجين إلى إنتاج المياه وأكاسيد النيتروجين، ومن ثم تجنُّب إطلاق ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي؛ ما يجعله إحدى ركائز تحول الطاقة.

ومع ذلك، فإن استعمال الأمونيا بوصفها ناقلًا للطاقة يفرض تحديات كبيرة من حيث انبعاثات أكسيد النيتروز، وهو أحد غازات الدفيئة القوية.

ووفق ما رصدته منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، يُصِرّ العديد من الدراسات على أنه يتعين الحرص على عدم الاستثمار في مثل هذا الحل الذي وُصف بأنه جيد وزائف -في الوقت نفسه- لأزمة المناخ.

ما تأثير تسرب الهيدروجين؟

يُمكن نقل الهيدروجين -في شكله الغازي- لمسافات طويلة في شبكات الغاز الموجودة؛ إلّا أن هذه الشبكات -فضلًا عن منشآت الإنتاج- تسجل حالات غير معتادة، مثل تسرب الميثان الهائل الذي رصدته الأقمار الصناعية في السنوات الأخيرة.

وتُقدّر شركة إير ليكيد (Air Liquide)، وهي شركة منتجة للهيدروجين، فقدان الهيدروجين المضغوط (في شكله الغازي) بنسبة 4.2%؛ ويرتفع الرقم إلى 20% بالنسبة للهيدروجين المنقول في صورة سائلة.

وعلّق الباحث في كيمياء الغلاف الجوي، فابيان باولو: “على عكس غاز الميثان، ليس من الممكن قياس الهيدروجين بوساطة الأقمار الصناعية.. ولذلك، فإن هذه التقديرات غير مؤكدة تمامًا.. ومن ناحية أخرى، نعتقد أن التقنيات المستقبلية يُمكن أن تقلل من التسريبات”.

وعلى الرغم من أن زيادة الهيدروجين تزيد من ظاهرة الاحتباس الحراري، فهل تعمل هذه التسريبات على موازنة آثاره الإيجابية في تحول الطاقة؟

أجاب مدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) ديدييه هوغلوستين: “يبدو الأمر مستبعدًا للغاية”؛ إذ شارك هوغلوستين مع باولو في كتابة منشور حول هذا الموضوع نُشر عام 2023 في مجلة نيتشر البريطانية (Nature).

“من خلال استبدال الهيدروجين الأخضر بالوقود الأحفوري، ومع الأخذ في الحسبان معدلات التسرب الحالية، فإننا نخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 94%”، كما أوضح هوغلوستين، في تصريحات اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة في منصة “بوليتكنيك إنسايتس” (Polytechnique Insights) الناطقة باللغة الفرنسية.

وأضاف: “بالنسبة للهيدروجين الأزرق، تنخفض هذه الأرقام إلى 70-80%.. وحتى مع الأخذ في الحسبان حالات عدم اليقين الحالية، يظل الهيدروجين أداة مثيرة للاهتمام للغاية للحدّ من التأثيرات المناخية للطاقة، ولا سيما بالنسبة للنقل البحري أو النقل البري أو الصناعات الثقيلة”.

وفي سيناريو تحول الطاقة الذي يحتوي على ارتفاع درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية، ترى الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) أن الهيدروجين سيلبي 12% من الطلب العالمي على الطاقة في عام 2050.

وفي هذا السيناريو، يأتي ربع الهيدروجين المستهلك في جميع أنحاء العالم من التجارة الدولية.

إلّا أن اقتصاد الهيدروجين يعتمد على غاز مهم آخر في سلسلة القيمة: الأمونيا؛ فمن الممكن تحويل الهيدروجين إلى الأمونيا، ثم تُحرَق لتوفير مصدر للطاقة مباشرةً؛ وتُحوَّل مرة أخرى إلى الهيدروجين عن طريق التكسير.

بالإضافة إلى ذلك، يُنقل 55% على شكل هيدروجين نقي أو مختلط و45% عن طريق القوارب، بشكل رئيس على شكل أمونيا.

إحدى ناقلات الهيدروجين – الصورة من منصة Blog Wika

حل جيد زائف!

تُعدّ الأمونيا ضرورية للاقتصاد القائم على الهيدروجين، إلّا أن نقل الأمونيا يمثّل -أيضًا- مخاطر عمليات التسرب، مع آثار أكثر ضررًا في المناخ.

فبعض المركبات الناتجة عن احتراق الأمونيا هي غازات دفيئة قوية، مثل أكسيد النيتروز الذي تزيد قدرته على الاحترار بمقدار 265 مرة عن ثاني أكسيد الكربون.

وفي مقال نشرته مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS) في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، قام علماء أميركيون بتقييم هذا الخطر.

وبما أن الأمونيا لها أوجه تشابه مع الميثان، فإنها تستعمل بالقياس معدلات التسرب نفسها مثل معدلات تسرب الميثان، والتي تُقاس بوساطة الأقمار الصناعية.

ويُمكن فقدان ما بين 0.5 و5% من الأمونيا في البيئة على شكل نيتروجين تفاعلي؛ وتُفسَّر هذه الخسائر من خلال التسريبات، ولكن -أيضًا- من خلال احتراق الأمونيا: عندما تكون غير كاملة، فإنها تسهم بانبعاث النيتروجين التفاعلي في الغلاف الجوي.

بالنسبة لأعلى تقدير (فقدان 5%)، يمثّل هذا ما يعادل نصف اضطراب المناخ العالمي اليوم الناجم عن استعمال الأسمدة النيتروجينية (ما يعادل 2.3 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون المنبعثة كل عام، أي خُمس الانبعاثات من قطاع الزراعة).

يُضاف إلى ذلك ردود الفعل غير المرغوب فيها خلال احتراق الأمونيا؛ فعلى الرغم من أن التقنيات الحديثة قد قلّلت منها إلى الحدّ الأدنى، فإنها ما تزال موجودة، وتولّد أكسيد النيتروز على وجه الخصوص.

ويقدّر مؤلفو الدراسة في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم أن هذا التأثير يُمكن أن يعوض تمامًا التأثيرات الإيجابية لتحول الطاقة، بما يتجاوز التأثيرات المناخية الحالية للوقود الأحفوري مثل الفحم، وفق ما رصدته منصة الطاقة المتخصصة.

وحتى في أفضل الحالات (حيث لن يكون هناك أيّ تسرب)، حسب الفريق أن الأمونيا لها بصمة كربونية أعلى من طاقة الرياح أو الطاقة الحرارية الأرضية، ولكنها قابلة للمقارنة ببصمة الطاقة الشمسية.

نتائج مشابهة

في عام 2022، قام فريق علمي آخر بتقييم تأثير التحول إلى الأمونيا لإزالة الكربون من النقل البحري.

وكان استنتاجهم مشابهًا: تسربات صغيرة من أكسيد النيتروز -خلال الاحتراق أو النقل- عوضت تمامًا التداعيات المناخية الناجمة عن مثل هذا التحول، بحسب ما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.

وعلّق ديدييه هوغلوستين: “هذه التقديرات هي الأولى من نوعها التي يُتوصَّل إليها، وهي تتضمن بعض الشكوك، لأن هذا الاقتصاد ما يزال متخلفًا للغاية”.

ولكنه شدد على أن هذه التقديرات تُعدّ حاسمة؛ “فهي تدقّ ناقوس الخطر بشأن الأمونيا، التي يُعدّ تأثيرها في المناخ كبيرًا للغاية”.

ومع ذلك، تُعدّ الأمونيا جذابة للقطاع البحري، فمن السهل نسبيًا تحويل محرك حراري لاستعمال الأمونيا، ويُعِدّ المصنّعون محركات مخصصة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.

رابط المصدر

شاركها.